مرحباً بكم أعزائي الكرام

مرحباً بكم أعزائي الكرام

ألم الرّحيل ودمعة الفراق !






في صباح يومٍ عاطرٍ  ذات جوّ معتدل مريح حيث  أشعةُ الشّمس ترسل سهامها علي الكون  لتحُسّ بي أنّ ظلامَ اللّيل الّذي طال ذيله عليَّ  قد كاد أن يرحل حقيقةً ، وأصبح وقت الفلق المحجَّل بالنّجوم المتلألئة وشيكاً , حينئذٍ لبستُ الملابس وتنعّلت لأُلحق السّابقين من طلبة العلم الفضلاء  والزّملاء النّبلاء ولأركب معهم القطار الّذي سبقوني إياه وأنهل من المعين الذي شربوا منه .

وكانت هذه الخطوات التي أخطو بها الى السّودان الحبيب تصاحبها دعاءٌ طاهرٌ من الأمّ الحنون التّي مازلت – حتّى اللّحظة -  أشخص البصر إلى قامتها وابتسامتها السَّاحرة وعيونها الحاذقة الصّافية   في صّباح الرّحيل ، وكانت نبضات قلبها يشمّرني  الى المضيّ قدماً واللّحاق بمن سبقوني  من الأقران والخلّان وكانت –هي - تتصبّر  على فراق ابنها ويصعب عليها  أن تودّع فلذة كبدها والبيضة التّى تحرص بحفظها وتخاف عليها من الرّياح الخفيفة فضلا عن العواصف العاتية والرياح الصَّرصريَّة .

أمسكتْ يَديَّ برفقٍ وحنانٍ مصافحةً ومقبّلةً  بهما تقبيل الحبيبة لمحبوبها القادم من رحلةٍ بعيدةٍ بعد بينٍ وفراقٍ طويل ، ولاشكَّ أنّها كانت ساعة ثمينة بالنّسبة لي ولحظة محظوظة حيثُ تمنّيت ذاك الحين أنّ تكون  هناك كاميرا خفيّة تسجّل لترافقني مشاهدها  في زمان الغرْبة  ووقت البعد عن الأهل والأحباب ، وبدون مبالغةٍ منّي  أنقل لك الحقيقة وأصفه لك من فيضِ كلماتي ، وتخيّل معي  لحظةً لو كنتَ – أنت - في ذاك الموقف كيف يكون شعورك ؟!!!.

نعم... طفقت عيناي تذرف دموعها الحارّة  لما فعله الفراق في القلوب ، وكانت أطراف أصابعي حينئذٍ  تتسابق إلى يديها الكريمتين وشفتاي تقبل قُبلة الوداع بين الوالدة وولدها البارّ  لها ، وجادت عيناي بدموعٍ تجري كالنّهر الجاري والعين الفيّاضة ، وبدأَتْ كلماتها الجذّابة مودّعةً فنظمت لي العديد من الوصايا الثّمينة  والعهود الموثوقة بالأيمان ، مختتمةً بكلامها أن تكون تلك الوصايا النّبيلة محفوظة في البال ، وكنت أستمع حينها بكل جوارحي وأسّطر كلماتها الدَّافئة في أعماق قلبي وأردفتْ مقولتها بكلماتٍ تسأل الله سبحانه وتعالى بأن يحفظني دائماً وأبداً .

وبعد المعانقة الطّويلة و تقبيل خدّها البارق انعطفتُ ومشيتُ تجاه الرَّكب الرّاحلين حاملاً بحقيبتي المملوءة بهدايَا الأمّ وعطاياها الممتعة التى أصبحت مذَّكرةً بالأم وأنساً  في السّير  ، وكانت قبل الوداع  تجاذب معي أطراف الحديث أحياناً  وكأنها تحكي للنّاس  أنّني غريب وحديث عهدٍ بالدّنيا !.

أما أنا فقد امتلأت روحي بشوقٍ وحنينٍ إلى أرض العلم والمعرفة فتوجَّهت نحوها بعد أن مكثت في نيروبي أيّاماً كانت مهمّتها تحصيل تأشيرة الدّخول ومتطلَّباتها ، وفي صباح ذالك اليوم الّذي وصفت لكم جوَّه وهدوئه  طارت بنا الطّائرة وهديرها يدوي في أذني امَّا قلبي فمشغول بكلماتِ أمّي ، وتذلّلت ذيولها مدبّرةً من نيروبي  ومقبلة إلى السّودان الشّقيقة ، وكنت في ذاك الحين متشوّقا و متحمّساً بوصولها وكلُّ أملي أن  تسرع بنا الطّائرة ونتجاوز الأميال  لنصل  سماء الخرطوم بأسرع وقت وأقصر مدَّة .

 وبعد ثلاث ساعات – تقريباً - من بدء الطيران وصلناها بأمانٍ وسلامٍ ، وكانت الرّياح حينئذٍ تهبُّ من الجهة الشّرقيّة حاملةً بهمسات الأصدقاء في بقعة المطار  ومنبّهةً عليّ بأنّ لسان حالهم يقول : (ليته نزل منها وهي تطير لنقبّله لحظةً لأنّنا لانستطيع بانتظار نزوله) ، نزلنا منها حامدين بربّنا سبحانه وتعالى  لحمايته لنا أثناء الطّيران وخلال الرّحلة  فاطَّلعت جميع أجواء المطار الدّولي لعاصمة  السّودان – الخرطوم - وكأنّه يحكي لنا بأنّ فرحةً تغمره وأنَّ ضيوفه محظوظون بترحيبه ، فانتقلنا إلى داخله وفوجئت بثغور أصدقائي  الطيّبة مبتسمين حتَّى بدأت نواجدهم بضحكانهم  وكانوا رهطاً  كثيفاً مردّدين بكلمات الترحيب (أهلاً بمن اشتاقت العين لرؤيته ولمن وسعت القلوب لترحيبه ) .

عانقتهم واحداً واحداً , وقبّلتهم شاكراً  لهم بانتظارهم الطّويل لقدومي ، وأنا هنا بالمناسبة أشكر الزّملاء الطّيّبين من ذوى المروءة الّذين بذلوا بكلّ طاقتهم لأجلي فأنا مدين لهم ، وسأكون ذاكراً ذلك دائماً وأبداً ، كما أشكر كل من ساهم بتسهيل تلك الرّحلة وعلى طليعتهم الخال الموقَّر  الدّكتور حمزة شيخ عبده حاج عمر فشكراً لكم جميعاً ياأهل الخير جزيتمُ .... من الجنة العلياء خير المراتع .

وقبل نقطة الختام أُحقّق لقارئ المقال أن السّودان الشّقيقة ليست كما تُوصف بأنّها ارضٌ وعرةٌ قفرةٌ تصعب الحياة فيها وأنّ حياتها كئيبةٌ لئيمةٌ وأنّ قاصديها يتعرضون  لأخطار جسيّمة  منها الحرارة الشّديدة وسوء التَّغذية  !.

وبالمناسبة كنت ممّن تلقّوا تلك الفكرة  السّيئة على ألسنة البعض فكنت  خائفاً تماماً بإمكانيّة الحياة في السّودان ممّا أدّى أن أتزوّد من حقيبة الامّ الحنون متطلّباتَ الحياة لمدّة خمس سنين - والتّي سأمكث هنا - كالملابس ونحوها !.

نعم ... هكذا يتصّور كلّ طالب من بلادنا  يعزم الرّحيل هنا لأنّ هذه التلبيسات فاشيةٌ في مجتمعنا ولكن بكلّ  أمانة أؤكد  : بأنّ الوضع الحقيقي الّذي رأيته في السّودان الشقيقة هو العكس تماماً - بكل ماتحمل الكلمة من معاني - مع أنّي أُقرّ  بأن حرارتها شديدة في بعض الأوقات لكنّها ليست كما يوصف البعض ، وأغتنم من هذه الفرصة أن أحرّض كل طالبٍ يريد أن يحقّق مآربه أن لايتخوّف الوصول هنا بتلك الخزعبلات الخمجيّة  كما أوكد مرّةً ثانية أن الحياة هنا مريحةٌ جداً مع أنّها تحتاج دائماً إلى ثقةٍ وعزمٍ متين  .



ليست هناك تعليقات:

كـافـــة الـحـقــوق محفـــوظــة لمــــدونـــة عبـــداللــــــــه كســــمــايــــو