مرحباً بكم أعزائي الكرام

مرحباً بكم أعزائي الكرام

بين حلم الهجرة وخيبة الأمل!.



رغم وعورة الطريق والخيوط المحفوفة بكلاليب جهنّم الدنيا لم تخطر في أذهان الكثير من أبناء الصومال بأن يترددوا في التوجه إلى أوربا عن طريق إيثوبيا والسودان وليبيا ومصر كمعبر للطريق إلى الأماكن التي أيقنوا فيها بأنهم سوف يجدون فيها ما يسد رمقهم بعد الوصول إليها، وأنها قد تكون بديلا عن مسقط رأسهم –الصومال الحبيبة-، ويشكل الذين قدموا إلى أوربا في وقت مبكر من أكثر العوامل التي جعلت للتهريب محفزاً قويا؛ حيث ينشرون صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرهما يحكون لأصدقائهم الماكثين في الوطن بما لديهم من رغد العيش والحياة التي وجدوها بعد قدومهم إلى أوربا ووجوههم النيرة التي تبدو مصقولة كالسجنجل وزالت عنهم الكآبة التي لحقتهم قبل رحيلهم إلى أوربا!.
كلّ هذا ساهم في تحريض الشبّان على الذهاب إلى المهجر فرارا من ويلات الحرب التي بسببها أصبح الكثير منهم يتيم الأب والأم، وشردت الكثير ، وعوقت الآلاف، وأرملت نساء كثيرات، بيد أن الطريق لم يزل يبتلع الكثير من الشبّان والشابات الذين كنّا نتحدى بهم المجتمعات الأخرى، وأصبحت جثثهم ملقاة في صحراء قالحة، لم يجدوا فيها غرابا يبحث في الأرض ليواري سوءاتهم كما حصل في قضية قابيل عندما قتل أخاه هابيل، والبعض الآخر يغرقون في أعماق البحار، تلتهمهم حيتانها وتتلاعب أمواجها أرواحهم الزكية ولا مغيث !، وبالمناسبة فبل سنتين تقريبا التقيت بشابّ كان يحب الذهاب إلى أوربا حبّ السمك للماء، ولم يكن بيني وبينه معرفة سابقة قبل تلك اللحظة التي جمعتني معه، وهذا الشاب لم يتجاوز عمره الثلاثين تقريباً وارتحل عدة مرات إلى أوربا لكنه عاد خائبا، وكلّ مرة يذهب إليها تنتهي رحلته بالفشل!.
وبما أننا التقينا في قارعة الطريق طلبت منه أن يحدّث لي عن تجربته لأروي قصته لمن ينوي بالذهاب إلى المهجر، وكنا في إحدى مقاهي المدينة فسرد لي العديد من الغرائب والمشقات التي تجاوزها؛ فكانت كل بلية أشدّ بالتي بعدها، والقصة الأكثر تشويقا كانت عندما ارتحل ذات مرة إلى ألمانيا مع صديقين كانا معه إذ صادفتهم حادثة مرعبة حقاً؛ حيث فوجئوا بجبال تكونت من تراكم الثلج، ولم يظهر لهم طريق سليم يوصلهم إلى المقصد غير هذا حتى يختفوا عن أنظار حراس الحدود!، فسلكوا الطريق وأصبحوا معرضين لبيئة مختلفة تماما عن البيئة التي عايشوها، وليس لديهم من الأحذية والملابس المخصصة للسير على الجبال الثلجية فتجاوزوا الأميال بسلامة ولكن المفاجأة الموجعة برزت لهم بعد وصولهم مقصدهم الأخير الذي ضحوا لأجله كل غال ونقيس؛ إذ بدأ أحدهم يشتكى من رجليه فاضرر بأن يزور إلى عيادة طبية كانت بالمدينة الألمانية فأخبر الطبيب لهم بأنه لا حل إلا بقطعهما تماما، ولا خيار آخر يكفيه من أنين الليل إلا هذا ! فقطعت وحقق مآربه مقطوع الرجلين ونكص صاحباه على عقبيهما خائبين ومعتبرين بالفاجعة التي جعلتهم نادمين على فعلتهما!.
وحادثة الأمس القريب التي راحت ضحيتها مايقارب بربع ألف مهاجر معظمهم صوماليون كانت وحدها كارثة، آلمت عشرات من ذوي الغرقى وزرعت في أعماقهم  ندامة موجعة، ولات ساعة مندم!، كما استفزت مشاعر الكثيرين من أقرباء المفقودين، يبدون قلقهم الشديد عن مصير فلذة أكبادهم الذين سلكوا ذاك الطريق وانقطع الإتصال بين المفقودين وبين أهاليهم، كل هذا يتزامن في وقت تتوالت التنديدات التي تحذر من هذه المآسي التي تتكرر بين الحين والآخر باستمرارية، على الرغم من وجود تقصير –كما أعتقد- تجاه توعية شبّاننا وإشعارهم بآلام الهجرة إلى أوربا!.
في نهاية 2014م أدى حادث سير في ضواحي الخرطوم بوفاة بضع عشر من بينهم صوماليون من مريدي أوربا الذين حال الموت بينهم وبين أملهم المنشود، فلم يحصلوا أية اهتمام من الجهات التي تخصّ أمرهم وكأن لسان حالهم يقول: "لماذا جئتم هنا؟!، فلاتلومونا ولومو أنفسكم"، ولازالت جثثهم تنتقل في المستشفيات العامة بين عشيّة وضحاها بذريعة أن يتعرّف بهم ذويهم إلى أن دفنوا في وقت متأخر جدّا، فأصبحت فيما بعد مأساة منسية!، وفي بداية 2015م تضرر مهاجرون آخرون بحادث سير آخر في محاولة عبور للحدود في المناطق الواقعة بين السودان وإيثوبيا، وتتكرر هذه الحوادث المؤلمة بصورة ملحوظة، ويبدو أنّها لم تسجّل بعد لتضيف إلى قائمة الملفات الساخنة والمآسي، وهناك عشرات بل مئات قدموا من بلدانهم بنية التهريب فخاب أملهم بعد وصولهم هنا سواء من قلّة الزاد أو الأضرار البدنية التي لحقتهم في طريقهم الى هنا التّي سبّبت لهم بالإعاقة الفادحة، ولم يتمكن لهم بالوصول إلى أوربا ومعظمهم الآن يتضررون في شوارع العواصم!.
من أبرز الأسباب:
الزواج المبكر دون أن يمتلك الأبوين قدرا من المال يكفي الأسرة ويسدّ احتياجاتها بالإضافة إلى إنجاب أولاد كثيرة قد تفوق من طاقتهما، والبطالة الشائعة في الوطن والتهديد الأمني الذي يواجه شبابنا من قبل الأطراف التي تشعل فتيل الصراع، والمحاصصة القبلية التي استأثرت لأتباعها الحصة الأكبر والأنفع إذا جاءت لحظة تقسيم الأموال والتوظيف هي من أبرز مبررات التهريب التي أجبرت الكثيرين بالمغامرة موقنين بالموت في بعض الحالات، وكأنّ لسانهم يقول:  "إمّا عيشة هنيئة وإما موت مريح"!، وقد يصح القول بأن الذين عادوا من أوربا على سبيل المثال ومعهم ثروة هائلة سنحت لهم بإدارة أروقة الحكومة الصومالية بشكل ملحوظ؛ يحفزون شبّاننا بالذهاب إلى أوربا ليحصلوا جوازات أوربية تؤهلهم بما كانو يحلمون به منذ ريعانة طفولتهم، وكذلك الأقرباء تحرضهم بصورة غير مباشرة؛ حيث لايمنحون شبابهم بمايقدرون من مال ومساعدة جذرية؛  ليبنوا حياة أفضل  مما هم فيه تلك اللحظة إلا أن يتورط في هذه المشكلة العصيبة فتنفق مئاتا من الدولارات بل آلافا قد لاتقدرها؛ بذريعة إنقاذه من المهلالك وتسهيله بالوصول إلى أوربا بسلامة حيث كانت تتوق نفسهم إليها، وهذه ظاهرة تحتاج إلى إعادة النظر فيها فالوقاية خير من العلاج!.
وجهة نظري لحل المشكلة:

بما أنّ التهريب ظاهرة اجتماعية نتجت عن الأسباب المتعددة التي ذكرتها في سطوري وغيرها فإنّه لايمكن علاجها بسهولة طالما ليس هناك بديل مقنع لدى شبابنا وإيجاد حلّ جذري لتلك المشاكل، فرفع الشعارات واللافتات الجميلة التي توصي بعدم الذهاب إلى أوربا إثر وقوع حوادث مؤلمة كالأخيرة مثلا، وتوقيف تأشيرة الدخول الى السودان، وكذلك الإجتماعات التي تعقد في الوطن والخارج بين الحين والآخر التي تنتهي أخيرا بمفردات متقاربة المعنى كـ (jooji tahriibta) لن تكون حلا لهذه المآسي التي تتكرر بين عشية وضحاها، ولن نستفيد منها شيئا وإن قلّ!، هذه المأساة ليست حديثة عهد بحارتنا لنكتفي بالقول ورفع الشعارات المكتوبة بكلمات لا اعتبار لها بالواقع، بل هي تتطلب إلى دراسة عميقة ومعالجة الأسباب التي تبرر لشبّاننا بالذهاب إلى أوربا وتلبية احتياجاتهم لإنقاذ أرواحهم، فالندامة تستمرّ ولات ساعة مندم!.

ليست هناك تعليقات:

كـافـــة الـحـقــوق محفـــوظــة لمــــدونـــة عبـــداللــــــــه كســــمــايــــو